السيد محمد تقي المدرسي
166
من هدى القرآن
ما في الجنة الأولى موجود في الثانية ، فيكون المقصود المقابلة ، أو يكون المعنى : نوعين من الفاكهة الواحدة ، ويحتمل معنى التكامل ، بحيث تجد لكل فاكهة أخرى تكملها شكلا وفائدة ، وكما نعيم الجنة يكمل بعضه بعضا ، كذلك عذاب النار ، فجهنم يكملها الحميم الآني . وهذا النعيم لا يحصل عليه إلا من عرف الرحمن ، وقدره حق قدره ، فصدق آلاءه ، وخاف مقامه . فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ وهذه الآيات تؤكد أن الحديث عن الجنة والنار حق وليس مجرد إثارة لحالة الطمع والخوف عند البشر - كما يزعم البعض - ذلك أن ربنا غني عن مخالفة وعده ، أو بيان ما ليس بحق ، وأن قدرته في موضع الرحمة ، أو في موضع النكال والنقمة مطلقة لا يحدها شيء : إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ يس : 82 ] ، ولكن مشكلة الإنسان أنه يقيس الأمور على قدره ، وحسب قدراته وفهمه المحدودين ، فلأنه لا يستطيع إحياء الموتى يشكك في البعث ، ولأنه محجوب عن علم المستقبل وما لا يراه ، تراه يرتاب في الغيب أو يكفر به ، وهذا نوع من الشرك الفكري ، قال تعالى : وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [ الزمر : 67 ] . وحتى يتجاوز الإنسان هذا الشرك الذي يقوده إلى التكذيب بآيات الله ، يجب أن ينظر إلى الأمور ، وبالذات الحقائق الكبيرة من خلال الإيمان بقدرة الله المطلقة : مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [ الحج : 74 ] . [ 54 - 55 ] بلى ؛ إن الجنة حق ، كما الوجود حق ، وكما الموت حق ، والذين يدركون هذه الحقيقة ببصائرهم ، وينفذ نور الإيمان بالله إلى كل أبعاد قلوبهم ، فإنهم لا يعرفون وقفة عن العمل الصالح ، والكلم الطيب حتى الرمق الأخير ، إنهم صيح بهم فانتبهوا ، وعلموا أن الدنيا ليست لهم بدار فاستبدلوا ، وما تركوا لحظة تمر عليهم من ليل ولا نهار ، إلا ازدادوا فيها إيمانا وعملا في سبيل الله ، لأنهم أدركوا أن الحياة الدنيا فرصة محدودة يخسرها من يغفل عنها . وإليك برنامجهم في الحياة عن لسان أميرهم وسيدهم الإمام علي عليه السلام : « أَمَّا اللَّيْلَ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ تَالِينَ لِأَجْزَاءِ القُرْآنِ يُرَتِّلُونَهَا تَرْتِيلًا ، يُحَزِّنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ ويَسْتَثِيرُونَ بِهِ دَوَاءَ دَائِهِمْ ، فَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَشْوِيقٌ رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً ، وتَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَيْهَا شَوْقاً ، وظَنُّوا أَنَّهَا نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ ، وإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَخْوِيفٌ أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ وظَنُّوا أَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وشَهِيقَهَا فِي أُصُولِ آذَانِهِمْ ، فَهُمْ حَانُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ مُفْتَرِشُونَ لِجِبَاهِهِمْ وأَكُفِّهِمْ ورُكَبِهِمْ وأَطْرَافِ أَقْدَامِهِمْ ، يَطْلُبُونَ إِلَى الله تَعَالَى فِي فَكَاكِ رِقَابِهِمْ .